آسف على المقاطعة !!

على متن الطائرة عائد من الولايات المتحدة لإجازة الشتاء .. مسار الرحلة من سافانا ثم واشنطن دي سي .. مكثت فيها ٤ ساعات .. ثم الدوحة بعد رحلة ل ١٢ ساعة .. بعدها مكثت ل٧ ساعات ثم انا الآن في الطائرة متجه لجدة ..

سردت مسار الرحلة لا لأصيبك بالملل انما لأُذّكر نفسي كم كنت حاملاً في نفسي هم ان الرحلة طويلة .. واما الآن فأنا ممتن لطولها .. بعيد عن مزايا الخطوط القطرية التي ارفع لها القبعة بكل ألوانها .. كما افعل المثل لمطار حمد الدولي ..

الحقيقة ودون مبالغة وارجو ان تحسن الظن فيّ .. احتجت ان استوعب أني عائد وطول الرحلة ساعد في ذلك .. وحين اقول استوعب لا اقصد الديباجة التي يلقيها المبتعثين في احاديثهم حين يعودون حيث الصدمة الحظارية والولايات المتحدة وما الى ذلك من تلك الموشحات التي قد يسترسل فيها احد المبتعثين الناقم على عيشه .. لذلك تشبث بصبرك تكرما وتفهما قبل ان تلقي علي تهم التماهي والتأمرك ( اي اصبحت نسخة امريكية ) ..

مكثت في الولايات المتحدة لمدة سنة وستة اشهر .. صدقني عشت خلالها اكثر مما كان يخطر على بالي .. والحد الاعلى في كل شيء .. فكل المعزوفات عُزِفت ..

لذلك انا مضطرب من هذا اللقاء الاول بعد هذا الغياب ..مضطرب من إلتقائي بأهلي واصدقائي على قد اشتياقي لهم .. مضطرب كيف سألقي بحملي في حضن امي .. وكيف سأقبل جبين شيخي .. هذا شيء .. الشيء الاخر لم اعد املك اي شيء هنا .. تماما .. كل ما كنت املكه اما بعته .. او اعطيته احد .. او اخذته معي .. لذلك …….

آسف على المقاطعة .. اجتاحني حنين في ان التقيها هنا .. فقد احببتها هنا .. واليوم لن استطيع ان اراها .. لا عرف ان كنت سأجد الشوارع بالاسماء ذاتها .. فلم نكن نستخدم اسمائها الحقيقية .. كنا نسميها كما نريد .. هذة مدينتنا وكنا نفعل فيها ما نريد .. والآن يجب ان اعيد اسمائها الحقيقية وحدي .. الآن يجب علي ان ……… استمر في القراءة

وطني تحرر مني ولازلت مسجون فيه !!

شي يثير فيّ بعض من الهستيريا.. ويضع على ثغري ابتسامة العاجز عن الفهم اندهاشاً .. هل يعقل حقاً تستطيع انثى ان تختزل وطن لاحدهم !!

قبل ان اكمل .. ولكي تتعايش معي تلك الحالة التي وصفتها منذ سطرين .. انا الان انتظر الباص .. الساعة السابعة والربع صباحاً .. بعد ان مررت على اشجار بدت عليها حالة الاستعداد في استقبال الشتاء .. وهواء بارد يصفع وجهي .. ما جعلني ان اقرر الا آخذ دراجتي !

كنت امشي وانا استمع لنشيد “موطني” بصوت الفنان مراد السيوطي الذي ادمنته منذ ليلية من ليالي الخريف .. حيث استمع لهذا النشيد كل يوم مرة تأكيداً .. او مرتين الى ثلاث تقريباً ..

“موطني .. موطني

الجلال والجمال والسناء والبهاء في رباك .. في رباك ..

والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هواك .. في هواك .. ”

وكل مرة اسمع فيها هذا النشيد .. لا اتخيل ارض .. او احن الى وطن .. بل اتخيلها هي .. واحن الى رقة اصابعها هي .. وكلما سمعته .. وجدتها جالسة على عتبة قلبي مدلية رجليّها .. تنظر الي من فوق كتفها الايمن وتبتسم ..

هل يعقل الا يكون في وجداني وطن غيرها ؟!

متى حدث هذا !؟

لكن اتدري .. هنيئا لمن كان له وطن مثلها ..

فنسيم الصباح فيها يعزف موشحات اندليسة مع حفيف الشجر .. والشمس فيها لا تحتاج شرقاً لتشرق منه .. فالشمس تشرق منها .. من قلبها حيث الشمال ..

وفصول السنة فيها تتغير حسب مزاجها .. فقد تعيش كل فصولك الاربعة في يوم واحد ..

فالربيع فيها تستثيره كلمة غزل تاهت في الطريق من ثغر محبوب لأذن محبوبته همسا .. فمن حمرة خديها خجلا يزهر ربيع العالم ..

وبين خريفها وشتاءها هنالك ليلة طويلة .. وكأنها فصل بذاته .. ينزل للخريف فيها آخر قطرة مطر .. وتسقط آخر ورقة شجر ..

ويستعد جسدها في ان يكون ادفء حضن في الكون .. وهناك .. فيه .. اسكن انا ..

لهذا اعشق الشتاء .. فهو يقربنا اكثر .. مهما كان خصام بيننا.. ففي الشتاء تزيد وطنيتي .. في الشتاء اصبح ذلك الجندي الذي يحرس حدود وطنه تحت الثلج .. فوق الجبال .. و اصبح ذلك الشاب الذي ما يأسته الحروب الاهلية وطنه .. كتلك الصخرة على شاطئ بيروت تحرسها منها دون يئس ..

“موطني موطني

الشباب لن يكل .. همه ان تستقل او يبيد .. او يبيد

نتستقي من الردى .. ولن تكون للعدى كالعبيد .. كالعبيد ”

كل الاوطان تُحرر بساكنيها .. يدافعون عنها .. ويقتلون من اجلها .. عدى انا .. وكيف يفعل هذا من وطنه انثى .. انثى تحررت منه .. ولم يقاتل من اجلها .. فانتهى به مسجون فيها ..

الباص توقف .. ويجب علي النزول هنا .. فهذا مبنى محاضرتي .. لم يتغير شيء مازال الصباح ذاته .. ومازال الهواء البارد يصفع وجهي .. غير انني صعدت الباص اتسأل عن موطني .. فصعدته شبة مواطن .. ونزلت منه سجين خط على جدار زنزانته .. صباح الخير على وطن تحرر مني ولازلت مسجون فيه !!

عطش .. و ملل .. و حب

أيعقل لقلب عطش مثل قلبي ان يمل الحب ؟!
نعم مللت الحب .. اعترف و اوقع بدمعة .. واغلف اعترافي بحرقة انت جاهل عنها .. وان كنتُ انا الاجهل ..
فحِلْمي تناثر .. كما تتناثر ذرات الخشوع مع صريخ امام حيي الصغير في خطبة الجمعة ..
لا ادري لما اتيت على ذكر ذلك .. اعني خطبة الجمعة .. ولكن انتظر دعني ابحث في داخلي عن جواب .. وان اطلت عليك .. ومللت مني .. يحق لك ان تغادر !!

كلا انتظر لقد عرفت .. وهذا اعتراف آخر .. وقبل ان اعترف لا تنسى اننا اتفقنا انك هنا حين لا يكون بين وبينك سوى كلماتي التي تقرأها .. حيث ابواب قلبي مفتوحة على مصراعيها .. لا يحق لك ان تحكم علي .. هنا انت فقط تستمع لي .. وتغبطني على قدرتي على الاعتراف امامك .. ان شئت ..

نعم مللت الحب .. كما مللت خطب الجمعة .. مللتها جدا .. جدا جدا .. ومع كل جدا اقولها غصة في قلبي تزداد .. فبالله عليك قل لي .. كيف لقلب عطش كقلبي يمل الحب ؟!

قلب يمل الحب هو قلب اوشك على الموت .. اوشكت شرايينه ان تضيق حتى لا يسعها ان تمرر الدم فيها .. ولا يسعها ان تستمتع برسائل العشاق..

اتذكر ذلك اليوم الذي اعترفت لك بانني احبها .. ذلك الوهج في وجهي .. تلك الرعشة في يدي .. تلك الموسيقى التي عزفها قلبي .. الموسيقى التي لا يسمعها سوى مستمع لاعتراف صديقه بحب ما حط رحاله في قلبه وغرس خيمته فيه ..
وفي قلب كل عاشق توجد تلك الخمية لتكون دليل حياة .. متى سرت سرت معها الحياة .. فاين خيمتي !؟

مللت الحب يا هذا .. واعذر فظاظتي في مناداتك ياهذا .. فأنا مصدوم وفظاظتي هي دعوة مني لتشاركني صدمتي هذه .. استمر في القراءة

وهو كذلك !!

عندما يخالجك الكثير من كل شيء .. فتتيه في وسطها محاولاً ان تجد شيء تتعرف عليه وتجد مألوفاً يهدىء من روعك .. ويظفي عليك بعض من الطمأنينة .. لكن لا جدوى .. فيبقى لك ” وهو كذلك ” جواباً تسكت به عقلك .. لتنتقل للتالي …

هو ذلك الشعور بأن شيء مفقود .. تشعر بفقده ولا تدري تماما ما هو .. ولا كيف تعوض عنه ..

هو ذلك الشخص الذي كتف طيفه يلامس كتفك .. تشعر بدفء الكتف ولكن لا تراه ولا تعرف كيف تستكثر منه ..

هو ذلك الطريق لرحلة لا تعرف متى ستنتهي .. ولست اكيد ان كنت بدأتها في الاصل .. ولا كيف تجني ما تريده منها ..

هو ذلك الشيخ الذي علمك الرباط في جنة قلبك .. تنبض وجداً يُبقِي الوصل رغم المسافة .. ولا تعرف كيف الوصول اليه ..

هو ذلك الصديق الذي تعرف ان حضنك يشفي سقم روحه .. وحبه لك الشعرة التي تفصل بين الحياة والحياة .. وتعجز أن تروي ذلك له ..

هو ذلك الفراش على سرير التعب .. بصحبة وسادة السهد التي استقبلت دموع فرحك وترحك ثم أختلطت ببعضها .. كاختلاط انسانيتك عليه ..

هو ذلك الغطاء الذي تحته تشعر بحضن الارض الذي ينتظرك .. فتأبى روحك الا ان تعرج منه دونك .. ويبقى جسدك يتقلب .. شوقاً لروحك منتظراً ان تعود اليه..

هو ذلك القلم الذي قررت ان تنظم به قصيدتك .. فسال حبره على الورقة .. فترك بعض لطخات .. ولطخاته تلك هي قصيدتك .. التي لا تعرف كيف تقرأ اي شيء منها ..

هو ذلك الهذيان الذي يشبه التعقل .. وجوهره شي من الجنون والتيه والوحشه .. التي اصبحت تميز بها نفسك اكثر .. وما اعتدت عليه منك ومنها ..

هو ذلك الاتصال عبر النقال .. ينقلك من مكان لمكان .. ومن حالة لحالة .. كل ذلك خلف حجاب اميال .. و زوال الحجاب هو اكثر ما تخاف منه ..

هو ذلك الحرف في آخر الحكاية .. تحكيها لأصم لا يسمع .. لكنه يصغي اليك ويبتسم .. يعطيك الاهتمام الذي تحتاجه.. و ذلك ما يعجز و مايقدر عليه ..

هو ذلك الوداع الذي خفته .. ولم تلقه .. وبات يقطع قلبك عدم تذكر احساس آخر مره .. والحرقة في قلبك ما تعيش به ..

هو ذلك المحبوب الذي لم تسرق منه قبلة .. وفرقت بينكما قبلة .. كلاكما رضيها .. رضى اخذ من اشكل الندم .. وقبلة مسروقة ما تحتاجان اليه ..

هو أنت ذلك المفقود .. تشعر بفقدك ولا تدري تماما ذلك .. و ليس سواك من يعوض عنك ..